فصل: مسألة نكحها أن تضع عنه نصف المهر ولا يخرجها من المدينة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة زوج وليته صغيرة لم تبلغ المشورة في نفسها:

وسئل عمن زوج وليته صغيرة لم تبلغ المشورة في نفسها فقال:
لا يزوجها، قلت له: فإن زوجها فرق بينهما؟ قال: لا أدري، قد زوج بعض الناس هكذا، فإذا تفاوت ووقعت المواريث فلا أدري. قال محمد بن رشد: قد مضى القول مستوفى في هذه المسألة في رسم شك في طوافه، من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته، وسيأتي في الرسم الذي بعد هذا وفي رسم لم يدرك، من سماع عيسى، وبالله التوفيق.

.مسألة عبد كان لسيده بيده مال فكتب إليه أن اشتر جارية أيصلح له وطؤها:

قال: وسئل عن عبد كان لسيده بيده مال فكتب إليه أن اشتر جارية أيصلح له وطؤها؟ قال: أما من مال سيده فلا يصلح إلا أن يكون أسلفه ثمنها.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم، فلا معنى لإعادته.

.مسألة هبة الرجل لعبده الدني الهيئة العامل في السوق الجارية يطؤها:

وسألته عن هبة الرجل لعبده الدني الهيئة العامل في السوق الجارية يطؤها، قال: نعم، إن كانت هبته مستقيمة، قلت له: يكون أن يزوجه إياها مخافة أن يبيعه فلا يقدر على نزعها منه، فيقول: أهبها له فإن بدا لي نزعتها منه، فقال: لا يعجبني هذا، يعيره إياها لا، إلا هبة صحيحة، يريد بذلك سروره وولده وإعفافه.
قال محمد بن رشد: وهذه المسألة أيضا قد مضت والقول فيها في رسم باع غلاما من سماع ابن القاسم، فلا وجه لإعادته، والمعنى فيها بين، وبالله التوفيق.

.مسألة نكحها أن تضع عنه نصف المهر ولا يخرجها من المدينة:

وسئل مالك عن امرأة نكحت على أربعمائة دينار صداقا على أن تضع له مائتي دينار ولا يخرجها من المدينة، فنكحته على ذلك، ثم أراد إخراجها فطلبت ما وضعت عنه، فقال: إن كان أكثر لها من الصداق ليس ذلك صداق مثلها، فله أن يخرجها ولا ترجع عليه بالذي وضعت عنه من أجل الشرط، وإن كان صداق مثلها فوضعت عنه على أن لا يخرجها من المدينة، فإن له أن يخرجها حيث شاء وعليه أن يرد عليها الذي وضعت عنه من صداقها، يرجع إليها، وله أن يخرج بها حيث شاء، قلت له: إن كان الذي أصدقها أكثر من صداق مثلها فوضعت عنه على أن يسكنها بلدها، فليس ذلك لها، وله أن يخرج بها حيث شاء ولا شيء عليه فيما وضعت عنه، وإن كان الذي أصدقها فوضعت صداق مثلها على أن يسكنها بلدها فليس ذلك له، وله أن يخرج بها حيث شاء، ولها عليه ما وضعت عنه من صداق مثلها؟ قال: نعم.
قال محمد بن رشد: ظاهر هذه الرواية أن ما وضعت المرأة في العقد للشرط من صداق مثلها لا يلزمها كما لا يلزمه الشرط، فيكون لها ما وضعت من صداق مثلها وفى لها بالشرط أو لم يف، وهو قول ابن كنانة وروايته عن مالك، ومثله في مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان خلاف رواية علي بن زياد عن مالك في النكاح الثاني من المدونة أن لها أن ترجع فيما وضعت من صداق مثلها بالشرط إذا لم يف لها بالشرط، ومذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أن ما وضع للزوج في عقد النكاح من الصداق على الشرط موضوع عن الزوج، ولا يلزمه الشرط، كان الموضوع من صداق المثل أو زائدا عليه، وقد قيل: إن ما وضعت في العقد من صداقها على الشرط كما وضعت بعد العقد لا تكون له الوضيعة إلا أن يفي بالشرط كان الموضوع من صداق المثل أو زائدا عليه، حكى هذا القول ابن حبيب عن بعض الناس، وقد روي عن مالك أنها إذا وضعت في العقد من صداقها شيئا للشرط سقط الشرط وردت إلى صداق مثلها، والقياس أن يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده، ويسقط الشرط، ويكون لها صداق مثلها إلا إن ينقص من المسمى فلا ينقص منه شيء، وكذلك يلزم على قياس هذا القول إذا تزوجها بكذا وكذا على أن لها من الشرط عليه كذا وكذا، والمشهور أن النكاح جائز والشرط غير لازم، ولا اختلاف بينهم فيما وضعت عنه بعد العقد من التسمية، أن الوضيعة إنما تكون له إن وفى بالشرط، ولا اختلاف بينهم أيضا أن ما اشترطت من الشروط في العقد دون تسمية صداق ساقط والنكاح لازم، فإن وقع النكاح دون شرط ثم سمى الصداق على الشرط سقط الشرط ووفيت تمام صداق مثلها إن كانت التسمية أقل من ذلك، وبالله التوفيق.

.مسألة يتزوج المرأة بالعبد ثم يوجد مسروقا وقد دخل بها فيؤخذ منها:

وسئل عن الذي يتزوج المرأة بالعبد ثم يوجد مسروقا وقد دخل بها فيؤخذ منها، قال: يحال بينه وبينها حتى يعطيها مهرها، وليس مثل الذي يخالع امرأته بالعبد يأخذه ثم يوجد مسروقا؛ لأن الخلع ينقطع به الميراث.
قال محمد بن رشد: قوله: حتى يعطيها مهرها، يريد صداق مثلها، وهو الصحيح في القياس لأن العبد عوض من البضع، فإذا استحق العبد من يد المرأة وجب أن ترجع بقيمة بضعها لفواته بالعقد عليه وقيمته صداق المثل، وإنما كان العقد دون الدخول في النكاح فوتا لما يوجبه من الحرمة، وقد قيل: إنه ليس بفوت، ويفسخ النكاح إذا كان الصداق عرضا بعينه واستحق قبل الدخول، وهو قول يحيى في العشرة، قال: إن المرأة إذا تزوجت بعبد غائب فمات قبل النكاح فسخ، والمشهور في المذهب أنها ترجع بقيمة العبد المستحق من يدها كما يرجع الزوج بقيمته إذا اسحق من يده في الخلع، وما في هذه الرواية هو القياس، وقوله إنه يحال بينه وبينها حتى يعطيها مهرها يحتمل أن يريد أن ذلك من حق الزوجة فإن رضيت أن تتبعه بمهرها وتبيح له التمادي على وطئها، جاز ذلك، ويحتمل أن يريد أنه لا يباح له التمادي على وطئها وإن رضيت بذلك حتى يدفع إليها مهرها من أجل أنه يكره للرجل أن يدخل بامرأته حتى يدفع إليها مهرها أو ربع دينار منه، والتأويل الأول أصح في المعنى، والثاني أظهر من جهة اللفظ، وإليه نحا ابن المواز، وقد قيل: إنه لا يكون ذلك من حقها وله أن يتمادى على وطئها وتتبعه بمهرها دينا ثابتا في ذمته، ووجه القول الأول أنها مغلوبة على الدخول بها بما أعطاها من مهرها، فلما استحق وأخرج من يدها كانت على رأس أمرها كما لو غصبها نفسها قبل أن يعطيها صداقها، فقد روى ابن أبي جعفر الدمياطي عن ابن القاسم أنه يؤدب ويحال بينه وبينها حتى يعطيها صداقها، بخلاف إذا أذنوا له في الدخول عليها ليراها فوطئها. ووجه القول الثاني أنه لما فعل في الدخول بها ما يجوز له ولم يتعد، كان بمنزلة ما لو أذنت له في الدخول عليها، فوجب أن لا يمنع من التمادي على وطئها، وهذا الاختلاف إنما هو عندي إذا لم يغرها بذلك، وأما إذا علم أنه مسروق وغرها فيكون من حقها أن تمنعه من نفسها حتى يعطيها مهرها، على ما قاله بعد هذا في هذا الرسم قياسا على ما قالوا في المكاتب يقاطع سيده على حلي استرفعه أو ثياب استودعها، أنه يرد في الرق ولا يعتق، وما في رسم العشور بعد هذا في مسألة الغرر من أنه إن كان قريبا لم يمنع من أهله وكان ذلك دينا يتبع به معناه عندي أنه لا يمنع من أهله إذا رضيت أن تبيح له التمادي على وطئها على أن تتبعه بمهرها، وقد كان الشيوخ يحملون ذلك على ظاهره من أنه ليس لها أن تمنعه من التمادي على وطئها إذ قد فات الأمر بالدخول بها، وقال ابن المواز: معناه إن بقي بيدها من صداقها ربع دينار فأكثر، وأما إن لم يبق من صداقها بيدها شيء فلها أن تمنعه نفسها حتى يعطيها ربع دينار، وذلك كله بعيد في المعنى، إذ لا فرق بين أن يغرها بما يدفعه إليها مما لا شبهة له فيه وبين أن يغصبها نفسها، وبالله التوفيق.

.مسألة زوجها غير ولي ابن عم له وأشهدت له على ذلك ووليها قريب يعرفون مكانه:

قال: وسئل مالك عن امرأة زوجها غير ولي ابن عم له، وأشهدت له على ذلك ووليها قريب يعرفون مكانه، فقال له مالك: أدخل بها؟ فقال: نعم، قال: فالذي تزوجها كفؤ؟ قال: نعم، قال مالك: أرى تدع هذا وتدع الكلام فيه، كانت في الناس حطمة، وتقول: أصابتني الضيعة، وتزوجها كفؤ فلا أرى أن تتكلم في هذا. قال محمد بن رشد: مذهب مالك رَحِمَهُ اللَّهُ في رواية أشهب عنه أن لا يزوج الأجنبي الشريفة ولا الوضيعة، خلاف قول ابن القاسم وروايته عن مالك في أن للمرأة الدنية والمسكينة أن تستخلف رجلا أجنبيا يعقد نكاحها، فرأى إجازة النكاح لما وقع للحطمة التي كانت في الناس وما خشي على المرأة بسبب ذلك من الضيعة على أصله في مراعاة الخلاف، لاسيما وقد اختلف في ذلك قوله، ونحو هذا أيضا في سماع أشهب من كتاب الأيمان بالطلاق، وبالله التوفيق.

.مسألة نكح إلى قوم بخادم فأبوا أن يدخلوها عليه حتى يعطيهم الخادم:

وسئل عمن نكح إلى قوم بخادم فأبوا أن يدخلوها عليه حتى يعطيهم الخادم، فذهب فاستعار خادما فأعطاهم إياها ودخل على امرأته، ثم علموا بذلك فقال: ترد الخادم إلى أهلها ويحال بينه وبين امرأته حتى يعطيها مهرها، وكذلك المكاتب يأتي بحلي استرفعه أو سرقه أو ثياب، فيقاطع سيده، ثم يؤخذ ذلك منه، أيعتق هذا هكذا بالباطل؟ لا يؤخذ الحق بالباطل.
قال محمد بن رشد: لا يختلف في أنه يحال بينه وبينها في هذه المسألة لأنه قد غرها بخلاف المسألة المتقدمة، ويريد بمهرها ها هنا الخادم التي تزوجها عليها على صفة ما وصفوا، ولو تزوجها على خادم بعينها فاستحقت لكان لها صداق مثلها، وقد مضى القول على ذلك قبل هذا في هذا الرسم، ويريد بقوله: إن المكاتب لا يعتق: إذا قاطع سيده بما لا شبهة له في ملكه، أنه يرد مكاتبا كما كان قبل انقطاعه، ولا اختلاف في هذا، وإنما اختلف إذا قاطع سيده بما كان له في ملكه شبهة فاستحق، والقولان في المكاتب من المدونة.

.مسألة تزوجها على أنها طالق البتة إن خرج بها من بلدها إلا برضاها:

وسئل عمن تزوج امرأة على أنها طالق البتة إن خرج بها من بلدها إلا برضاها، فخرج يطلب الزرع فأقام هنالك فأطال المقام فتحملت امرأته حتى قدمت عليه، أترى عليه شيئا؟ فقال: نعم، أرى ذلك عليه، هو الذي أخرجها، تركها عارية جائعة لا يبعث إليها نفقة ولا كسوة فأخرجها بذلك، فروجع في ذلك فقال: أرى ذلك عليه، إن شاء بعث إليها بنفقة، قيل له: إلا أن يكون من عذر سجن أو مرض أو حاجة، فقال: أرى ذلك عليه، لو شاء بعث إليها نفقة.
قال محمد بن رشد: مثل هذا في نوازل أصبغ من كتاب الأيمان بالطلاق، وحكى ابن سحنون عن أبيه أنه لا حنث عليه، وقول مالك أظهر لأن اضطراره إياها إلى الخروج إخراج، والحنث يدخل بأقل الوجوه، وأما إذا كان له عذر من مرض أو سجن أو حاجة، فلا يجب أن يحنث، فقوله: أرى ذلك عليه لو شاء بعث إليها نفقة، يريد: إذا لم تكن الأعذار التي ذكرت من السجن والمرض والحاجة، والله أعلم.

.مسألة يكسب مالا حراما فيتزوج به:

وسئل عمن يكسب مالا حراما فيتزوج به، أتخاف أن يكون ذلك مضارعا للزنا؟ قال: إني والله لأخافه، ولكن لا أقوله.
قال محمد بن رشد: وجه اتقاء مالك أن يكون فعله مضارعا للزنا هو أن الله تعالى إنما أباح الفرج بنكاح أو ملك يمين، وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. «لا نكاح إلا بولي وصداق» فنفى أن يكون نكاحا جائزا إلا على هذه الصفة، والمتزوج بمال حرام لم يتزوج بصداق إذ ليس المال الحرام بمال له، فإذا وطئ فيه فقد وطئ فرجا بغير ملك يمين ولا نكاح أباحه له الشرع، وبالله التوفيق.

.مسألة أحسنا أن يستأمر الرجل ابنته البكر:

وسئل: أترى حسنا أن يستأمر الرجل ابنته البكر؟ فقال: إن ذلك لحسن، وإن فعل بغير إذنها فذلك له، وإني لأخاف أن يتراقى هذا بالناس في استئذان الأب ابنته البكر حتى يجري بين الناس ويمضي، وإن أخف الشأن أن يزوج ابنته حيث رجا لها النكاح، ولا يجوز عليها أمر ولي غير أبيها إلا بإذنها.
قال محمد بن رشد: استحسانه أن يستأمر الرجل ابنته البكر في النكاح صحيح جيد، إذ من أهل العلم من يرى أنه لا يجوز له إنكاحها إلا بإذنها، فالخروج من الخلاف باستئمارها أولى، وليس صوابا هذا مما يخفى، وبالله التوفيق.

.مسألة يواعد المرأة في عدتها ثم يتزوجها بعد انقضاء عدتها ويدخل بها:

وسألته عن الذي يواعد المرأة في عدتها ثم يتزوجها بعد انقضاء عدتها ويدخل بها، قال: أرى أن يفسخ في رأيي وتكون طلقة لما فيه من الشبهة احتياطا، ثم ينكحها نكاحا جديدا، قلت له: أترى هذا مثل الذي ينكح المرأة في العدة ثم يدخل بها فلا يتراجعان أبدا؟ فقال: لا، هذا ينكحها بعد أن يفسخ وإن كان مسها.
قال محمد بن رشد: أوجب الله تعالى العدة في الموت والطلاق حفظا للأنساب وتحصينا للفروج، ونهى عن النكاح فيها وعن المواعدة فقال: {وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235] وقال:
{عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا} [البقرة: 235] وهو التعريض. واختلف إذا واعد في العدة ثم تزوج بعدها، فقيل: إن النكاح يفسخ لأنه بني على المواعدة المنهي عنها وهي رواية أشهب هذه، وقيل: إنه لا يفسخ إذ لم ينعقد في العدة، وهي رواية ابن وهب عن مالك في المدونة لأنه استحب الفسخ فيها ولم يوجبه، واختلف على القول بوجوب فسخه إذا لم يفسخ حتى دخل ووطئ، فقيل: إنها لا تحرم عليه بذلك، وهي رواية أشهب هذه ورواية عيسى عن ابن القاسم في رسم الجواب من كتاب طلاق السنة، وقيل: إنها تحرم عليه، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في رسم الرهون من هذا الكتاب إذا كان الوعد شبيها بالإيجاب. وأما إذا تزوج في العدة فلا اختلاف أن النكاح يفسخ، واختلف هل تحرم عليه للأبد أم لا، على أربعة أقوال: أحدها أنها تحرم عليه بالعقد وإن لم يطأ، حكى هذا القول عبد الوهاب ولم يسم قائله، والثاني أنها لا تحرم عليه إلا بالوطء في العدة وهو قول المغيرة وغيره في المدونة ورواية عيسى عن ابن القاسم في طلاق السنة في رسم الجواب، والثالث أنها تحرم عليه بالوطء، كان في العدة أو بعدها، وهو قول مالك في المدونة وظاهر قول عبد العزيز فيها، والرابع أنها لا تحرم أصلا وإن وطئ في العدة، وهو قول ابن نافع وروايته عن عبد العزيز بن أبي سلمة. وأما القبلة والمباشرة بعد العدة فلا يقع التحريم بها باتفاق، واختلف إذا قبل أو باشر في العدة، فقيل: إن ذلك بمنزلة الوطء فيها يقع بها التحريم، وهو قوله في المدونة وقيل: إن التحريم لا يقع بذلك، وهي رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب طلاق السنة، قال: لأن الوطء بعينه فيه من الاختلاف ما فيه، فكيف إذا لم يطأ؟ فهذا تحصيل القول في هذه المسألة.

.مسألة ينكح وهو مريض هل يقيم على ذلك النكاح إذا صح:

وسئل عن الذي ينكح وهو مريض، أترى أن يقيم على ذلك النكاح إذا صح؟ فقال: لا أرى ذلك الآن، قلت له: أرأيت لو نكح وهو مريض ثم ماتت أيرثها؟ فقال: لا يرثها ولا ترثه، أنا أقول: ليس ذلك النكاح بشيء فكيف يرثها؟ قال سحنون: هذه الرواية أفضل من رواية ابن القاسم، وسئل عنها سحنون فقال مثله، ورواها أصبغ عن أشهب وقال: هو رأيي لم أزل أقوله وأرد خلافه، وقد ذكره ابن وهب عن مالك وليس رواية ابن القاسم عندي بشيء.
قال محمد بن رشد: قد حكى ابن القاسم عن مالك القولين جميعا في النكاح الثاني من المدونة، وذكر أن الذي رجع إليه منهما أن يثبت النكاح إذا صح وأمره أن يمحو القول الأول، وإياه اختار ابن القاسم، وهو الأظهر، لأن المرض ليس بعلة في فساد النكاح إلا من أجل ما يخشى من الموت، ولو أمكن أن يعلم أنه لا يموت من ذلك المرض ويصح منه لجاز النكاح فيه، فإذا صح كشف الغيب بصحته أن النكاح وقع في حال يصح إيقاعه فيه فوجب أن يجوز، ووجه القول الأول أنه نكاح فسد لوقوعه في حال لا يصح إيقاعه فيه فوجب أن لا يصح بزوال تلك الحال، أصل ذلك المحرم لا يثبت نكاحه وإن لم يعثر عليه حتى حل من إحرامه، والذي يبيع أو يشتري بعد النداء يوم الجمعة لا يثبت بيعه وشراؤه إذا لم يفسخ حتى انقضت الصلاة على القول بوجوب فسخه، وليس ذلك بقياس صحيح لأن العلة ها هنا الإحرام وحضور الصلاة. ألا ترى أنا لا نجيز للمحرم النكاح وإن علمنا أنه سيحل منه ولا لمن تجب عليه الجمعة البيع في وقت صلاة الجمعة وإن علمنا أن الوقت المنهي عن البيع والشراء فيه سينقضي، فبان الفرق بين الموضعين. وأما قوله: إنه لا يرثها، فإنما يأتي على ما اختاره سحنون من أن كل نكاح كان الزوجان فيه مغلوبين على الفسخ فلا طلاق فيه ولا ميراث، وأما على ما اختاره ابن القاسم من أن الطلاق والميراث يكونان في كل نكاح اختلف الناس فيه، فينبغي أن يرثها لأنه نكاح مختلف فيه لاسيما على قوله بأن النكاح يثبت إذا صح، لذهاب العلة بالصحة، لأنها تذهب أيضا بالموت إذ لا يمكن أن ترثه هي بعد الموت، وأما تعليله بأنه لا يرثها من أجل أنها لا ترثه، فليست بعلة بينة إذ قد يطرأ على النكاح المتقرر بين الزوجين ما يمنع أحدهما الميراث دون صاحبه، مثل أن يخالعها في مرضه، والله الموفق.

.مسألة نكح امرأة في مؤخر المسجد ثم قام فلقيه رجل فقال أنا أكره كتمان ذلك:

ومن كتاب الطلاق:
قال: وسئل مالك عمن نكح امرأة في مؤخر المسجد ثم قام فلقيه رجل فقال له: كأنكم كنتم على إملاك؟ فقال: لا، فقال: أنا أكره كتمان ذلك، وأحب إلي أن يفشى، ولا أرى عليه في قوله شيئا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال؛ لأن النكاح يستحب فيه الإعلان، وقد استجيز فيه لعلة الإعلان من اللهو ما لا يستجاز في غيره، ومعنى قوله: لا أرى عليه في قوله هذا شيئا؛ أي ليس عليه شيء له تأثير في النكاح؛ لأن عليه فيه إثم الكذب المحرم في الشريعة إلا في مواضع معلومة على وجوه مخصوصة، وبالله التوفيق.

.مسألة يقول له رجل ألك امرأة فيقول لا وله امرأة:

قيل له: أرأيت الذي يقول له رجل: ألك امرأة؟ فيقول: لا، وله امرأة؟ فقال: لا أرى عليه شيئا إذا كان على هذا الوجه.
قال محمد بن رشد: معنى قوله: لا أرى عليه شيئا؛ أي لا أرى عليه طلاقا، ومثل هذا في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب طلاق السنة وفي رسم لم يدرك من سماع عيسى من كتاب العتق، وقال ابن القاسم في سماعه المذكور وعيسى في سماعه المذكور أيضا: إنه يحلف ما أراد بذلك طلاقا، وزاد ابن القاسم: ويؤدب.

.مسألة الرجل المتزوج باثنين في تحديد نيته أي المرأتين طلق:

وسئل عمن خطب امرأة وله امرأة كانت أم ولد له فسألوه أن يطلقها فأبى، وأبوا إلا ذلك، فتركهم وأضرب عنهم حتى تزوج امرأة أخرى فصارت له امرأتان، ثم رجع إليهم فخطبها فقالت: لا أتزوجك إلا أن تطلق عني امرأتك، تعني الأولى التي كانت سألته طلاقها، فقال لها: أنا أفعل، فلما قعدوا للإملاك قال: اشهدوا أن امرأتي طالق البتة، إذا ملكت عقدة النكاح هذه، وهو ينوي بذلك المرأة التي نكح أخيرا، ولا يظنون هم إلا الأولى التي كانوا سألوه طلاقها، فلما بلغ القوم أنه لم يطلق عنهم التي كانوا سألوه، وأنه إنما طلق أخرى تزوجها، ناكروه ذاك فقال: أما النكاح فلا أرى أن يفسخ ولا أرى ما أراد إلا على ما أراد، فأرى عليه اليمين بالله الذي لا إله إلا هو ما طلق إلا هذه الآخرة، الناس ينوون في مثل هذا، وإنما مثل هذا رجل كانت له امرأة ليس له غيرها، قد علم ذلك قوم، ثم تزوج أخرى لم يعلموا بها فسألوه طلاق امرأته ولا يعلمون له إلا الأولى فقال: امرأتي طالق البتة، فهو ما أراد.
قال محمد بن رشد: جوابه في هذه المسألة على القول بأن اليمين على نية الحالف لا على نية المحلوف له، وهو قول مالك في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب النذور، وفي رسم البز من سماع ابن القاسم أيضا من كتاب الأيمان بالطلاق، وهو قول ابن وهب في سماع عيسى وزونان من كتاب الأيمان بالطلاق، وقد اختلف في ذلك اختلافا كثيرا حسبما مضى تحصيله في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب النذور وإيجابه اليمين عليه أنه ما طلق إلا هذه على القول في لحوق يمين التهمة، وقد اختلف في ذلك، فإن نكل عن اليمين طلقت عليه دون رد يمين، وقيل: بعد رد اليمين، وأما الأخرى التي زعم أنه أرادها فتطلق عليه على كل حال بإقراره أنه أرادها.

.مسألة المتناكحين صغيرين ينكحهم الأولياء ثم يبلغ فينكر:

قال: وسئل عن المتناكحين صغيرين، ينكحهم الأولياء، ثم يبلغ فينكر، قال: لا أدري، قيل: أفليس الميراث ثابتا بينهما إذا ماتا؟ فقال: بلى لعمري، وسئل عن الذي يزوج وليته قبل أن تبلغ ثم تبلغ فلا ترضى، قال: أرى أن يفسخ، ولا يجوز له أن ينكحها حتى تبلغ ما يبلغ النساء فيشاورها.
قال محمد بن رشد: قد مضى القول في هذه المسألة مستوفى في رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم، وتأتي في رسم لم يدرك من سماع عيسى وفي سماع أصبغ، والحمد لله.

.مسألة تزوج امرأة فأذنت له بالدخول عليها قبل أن يعطيها صداقها:

وسئل فقيل له: إني تزوجت امرأة فأذنت لي بالدخول عليها والسكنى والمبيت معها قبل أن أعطيها صداقها وأنفق عليها وأستقي لها ماء، فأنا أضطجع معها إلى جنبها في اللحاف وتمنعني نفسها حتى أعطيها صداقها وليس عندي، فقال له: ذلك لها، أرضها من مهرها، استعن عليها ببعض جاراتها، فأما النفقة عليها فذلك لها عليك.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال أن من حقها أن تمنعه نفسها حتى تأخذ صداقها، وإن أذنت له بالدخول عليها والاضطجاع إلى جنبها؛ إذ كان من حقها أن تمنعه من ذلك كله حتى يعطيها صداقها فلا يلزمها منه إلا ما أباحته له ورضيت به، وقوله: استعن عليها ببعض جاراتها، يريد في التأخير أو الهبة إلا في ربع دينار من ذلك، إذ يكره له مالك الدخول دون أن يقدم لها من الصداق ربع دينار على ما يأتي له بعد هذا فيمن نكح بدين، أنه استحب له أن ينقد شيئا قبل الدخول، ومثل ما في آخر رسم استأذن ورسم أوصى، من سماع عيسى، وقد أجاز ذلك ابن المسيب وغيره ولم يروا فيه كراهة، وهو معنى قول الله عز وجل: {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ} [النساء: 24] وهو عند مالك خفيف، وإنما كرهه من كرهه مخافة أن تهب له الصداق فيبقى البضع دون شيء، وأما قوله في النفقة: إنها لها عليه، فهو صحيح، إذ هي واجبة بحق الاستمتاع، فيلزمه إذا دعي إلى الدخول، وقد قيل: إنها تجب بالعقد، والأول هو المشهور في المذهب، والله الموفق للصواب.

.مسألة تزوج امرأة على أن لا يمنعها من المسجد:

وسئل مالك عمن تزوج امرأة على أن لا يمنعها من المسجد، فقال: ينبغي له أن يفي لها بما قال، ولا يقضى بذلك عليه، فإن أبى أن يدعها فذلك له، وله أن يمنعها.
قال محمد بن رشد: وكذلك ينبغي له أن لا يمنعها من المسجد وإن لم تشترط ذلك عليه لأنه مندوب إليه بقول النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» وذلك عليه مع الشرط آكد لثلاثة أوجه: أحدها قول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أحق الشروط أن تفوا بها ما استحللتم به الفروج» والثاني الوفاء بالعهد، إذ قد قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إن الخلف فيه من علامات النفاق» والثالث مراعاة الاختلاف، إذ قد ذهب جماعة من العلماء إلى أنها واجبة يقضى بها، روي عن ابن شهاب أنه قال: كان من أدركت من العلماء يقضون بها لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أحق الشروط أن تفوا بها ما استحللتم به الفروج» والشروط في النكاح على مذهب مالك تنقسم على قسمين: قسم لا يفسد به النكاح، وقسم يفسد به النكاح، فأما ما كان منها لا يفسد به النكاح مثل أن يتزوجها على أن لا يتزوج عليها ولا يتسرى معها ولا يخرجها من البلد ولا يمنعها من المسجد، وما أشبه ذلك، فلا يخلو من أن تكون مطلقة أو مقيدة فإن كانت مطلقة غير مقيدة استحب للزوج الوفاء بها لقول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أحق الشروط أن تفوا بها ما استحللتم به الفروج» ولم تلزمه، وإن كانت مقيدة، فلا تخلو من أن تكون مقيدة بتمليك أو طلاق أو عتاق، أو تكون مقيدة بوضع بعض الصداق، فأما إن كانت مقيدة بتمليك أو طلاق أو عتاق، فهي لازمة والنكاح جائز، وقيل: إن النكاح فاسد يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده ويكون للمرأة صداق مثلها، وهو قول سحنون، وللخروج من هذا الخلاف تفقد الشرط عندنا في الصدقات على الطوع، وهذا إذا كانت التسمية في أصل العقد مع الشرط، وأما إن تزوجها نكاح تفويض على الشرط ثم سمى لها بعد ذلك الصداق، فلا اختلاف في أن النكاح جائز والشرط لازم، وأما إن كانت مقيدة بوضع بعض الصداق فقد مضى ما في ذلك من الاختلاف في الرسم الذي قبل هذا، فلا معنى لإعادته. وأما ما كان منها يفسد به النكاح فلا حد لها وبعضها أشد من بعض، من ذلك أن يتزوجها على أن لا ميراث بينهما أو على أن الطلاق بيدها أو على أن لا نفقة لها أو على أن الخيار لأحدهما، وما أشبه ذلك مما الحكم فيه إذا وقع مذكور في مواضعه من الكتاب، وسيأتي على ذلك كله إن شاء الله الكلام، وبالله التوفيق.

.مسألة نكح نكاح سر بلا شهداء هل يطلقها طلقة أو يدعها بغير طلاق ويفسخ منه:

وسئل عمن نكح نكاح سر بلا شهداء أحب إليك أن يطلقها طلقة أو يدعها بغير طلاق ويفسخ منه؟ فقال: يطلقها طلقة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها ثم يتزوجها.
قال محمد بن رشد: ليس الإشهاد من شروط صحة العقد، وإنما يجب عند الدخول، ومن تزوج ولم يشهد فنكاحه صحيح ويشهدان فيما يستقبلان إلا أن يكونا قصدا إلى الاستسرار بالعقد، فلا يصح أن يثبتا عليه لنهي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن نكاح السر، ويؤمر أن يطلقها طلقة كما قال مالك رَحِمَهُ اللَّهُ لشبهة العقد، ثم يستأنف العقد معها بعد أن تستبرئ نفسها بثلاث حيض إن كان قد دخل بها، هذا الذي يؤمر به في نكاح السر من أتى مستفتيا فيه قبل الدخول وبعده، وأما من وجد مع امرأة في بيت فادعى أنه نكح نكاح سر فيفرق بينهما بطلقة لإقرارهما على أنفسهما بالنكاح، ويحدان إن أقرا بالوطء إلا أن يكون الدخول فاشيا أو يكون على العقد شاهد واحد فيدرأوا الحد بالشبهة، واختلف إذا شهد على النكاح شاهدان وأمرا بالكتمان فقيل: ذلك من نكاح السر ويفسخ قبل الدخول وبعده إلا أن يطول بعد الدخول فلا يفسخ ويكون فيه الصداق المسمى، وهو المشهور في المذهب، وقيل: النكاح صحيح لا فساد فيه، فيثبت قبل الدخول وبعده، ويؤمر الشهود بإعلان النكاح وينهوا عن كتمانه، وإلى هذا ذهب يحيى بن يحيى، وبالله التوفيق.